الشيخ محمد رشيد رضا

269

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أرحم منك بعبادك فيرحمهم أو يسألك ان ترحمهم ، ومهما تمنحهم من مغفرة فلا يستطيع أحد حرمانهم منها بحوله وقوته ، لأنك أنت العزيز الذي يغلب ولا يغلب ، ويمنع من شاء ما شاء ولا يمنع ، ولا بتحويلك عن ارادتك فإنك أنت الحكيم الذي تضع كل شيء موضعه ، فلا يمكن لاحد غيرك ان يرجعك عنه ، بناء على أن غيره أولى منه . فمن ذا الذي يستطيع الاستدراك أو الافتيات عليك ؟ فهذا بيان ما يقتضيه التفويض المطلق إلى اللّه تعالى وحده ، بل أقول إن في جزاء الشرط الأول إشارة إلى أن تعذيب من يظن المخلوقون انهم يستحقون المغفرة ان وقع من اللّه فلا يكون الا عدلا ، لأنهم عباد اللّه المضافون اليه ، ومن شأن هذه الإضافة ان تفيدهم مغفرة منه ورحمة ، يدل على ذلك قوله تعالى ( يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) وأمثالهما من الآيات التي أضيف فيها لفظ عباد إلى اللّه ، فإذا وقع عليهم العذاب فلا بد ان يكون سببه الذي خفي عن المخلوقين عظيما ، فالأدب التفويض - وفي جزاء الشرط الثاني إشارة إلى أن المغفرة ان أصابت من يظن المخلوقون انه يستحق العذاب فلا تكون من اللّه تعالى الا لغاية اقتضتها عزة الألوهية ، وحكمة الربوبية ، فلا عبرة بالظواهر التي تبدو للمخلوقين بالنسبة إلى علم علام الغيوب وحكمته ولا سيما في ذلك اليوم ، فالواجب أن يفوض اليه الامر كله ، يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ . وبهذا تنجلي نكتة اختيار « الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » هنا على « الْغَفُورُ الرَّحِيمُ » * على خلاف المعروف من أسلوب القرآن في مراعاة مناسبة المقام في قرن الأسماء الإلهية بالافعال والاحكام ، كما تقدم بيانه في تفسير ( 5 : 41 وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 42 فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فذكر عيسى عليه السّلام لا سمي اللّه « الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » في جزاء شرطية المغفرة كذكره لكلمة « عِبادُكَ » في جزاء شرطية التعذيب ، كل منهما وقع في محله الذي تقتضيه البلاغة في مقام التفويض فكان حجة له ، ولو أراد بكلامه الشفاعة والاسترحام لعكس ولكل مقام مقال ، ولولا هذا لكان كل منهما اعتراضا على الرب ،